أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
363
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
3048 - غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال استعار الرداء للمعروف ، لأنه يصون عرض صاحبه ، صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له . والثاني : أن ينظر فيه إلى المستعار ، كقوله : 3049 - ينازعني ردائي عبد عمرو * رويدك يا أخا عمرو بن بكر « 1 » لي الشّطر الّذي ملكت يميني * ودونك فاعتجر منه بشطر أراد بردائه سيفه ، ثم قال : فاعتجر منه بشطر . فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار ، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال : فكساهم لباس الجوع ، ولقال كثير : صافي الرداء إذا تبسم انتهى . وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة . وقال ابن عطية : « لما باشرهم ذلك وصار كاللباس » ، وهذا كقول الأعشى : 3050 - إذا ما الضّجيح ثنى جيدها * تمنّت عليه فكانت لباسا « 2 » ومثله قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 3 » ، ومثله قول الشاعر : 3051 - ولقد لبست بعد الزّبير مجاشع * ثياب الّتي حاضت ولم تغسل الدّما « 4 » كأن العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم لبسوه . وقوله : « أذاقها » نظير قوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 5 » ونظير قول الشاعر : 3052 - دونك ما جنيته فأحسّ وذق « 6 » * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي قراءة عبد اللّه : « فأذاقها اللّه الخوف والجوع » ، وفي مصحف أبي : « لباس الخوف والجوع » . وقوله : « بِأَنْعُمِ اللَّهِ » أتى بجمع القلة ، ولم يقل : بنعم اللّه ، جمع كثرة ، تنبيها بالأدنى على الأعلى ، لأن العذاب إذا كان على كفران الشيء القليل ، فكونه على النعم الكثيرة أولى . و « أنعم » فيها قولان ، أحدهما : أنها جمع نعمة ، نحو : شدّة وأشدّ . قال الزمخشري : « جمع نعمة ، على ترك الاعتداد بالتاء ، ك « درع وأدرع » . وقال قطرب ، هي جمع نعم ، والنّعم : النّعيم ، يقال : هذه أيام طعم ونعم فلا تصوموا . قوله : « بِما كانُوا » يجوز أن تكون مصدرية ، أو بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، أي : بسبب صنعهم ، أو بسبب الذي كانوا يصنعونه ، والواو في « يَصْنَعُونَ » عائدة على « أهل » المقدر قبل « قَرْيَةً » ، وهي نظير قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ ، بعد قوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها « 7 » . قوله : . . . وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ . . . . صرّح هنا بالنعمة لتقدم ذكرها مع من كفر بها ، ولم يجئ ذلك في البقرة .
--> ( 1 ) انظر البيتين في البحر المحيط ( 5 / 543 ) ، معاهد التنصيص ( 2 / 150 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة آية ، ( 187 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر المحيط ( 5 / 543 ) . ( 5 ) سورة الدخان آية ، ( 49 ) . ( 6 ) البيت من شواهد البحر المحيط ( 5 / 543 ) . ( 7 ) سورة أعراف آية ، ( 4 ) .